الثلاثاء، 29 مايو 2018

مريضان نفسيًا



قال الطبيب:
الاكتئاب هو المرض

كتب الطبيب الدواء:
أقراص لوسترال 50 ملجم
جرعة مضاعفة منه ممتازة
لعلاج الطنين في دماغ طفلين مثلكما.

أقول: لوسترال حبيبي.. هل أتيت؟
هل تحمل تحت إبطك أرغفة الدفء الحميم؟
هلّا خبزت لي كعكة برتقال بنكهة أم؟
وأتيت بأكف الآباء في دُش ساخن يجعلني أرتخي؟
لوسترال، تحبني حقًّا؟ 
لمَ نسيت مهاتفتي بعد الامتحان لتطئمن بنبرة صديق عليّ؟
لا تنظر إليّ هكذا!
تطل عليّ يوميًّا بحبتين من مادة السيرترالين
كأنهما عينان صامتتان تحدقان إليّ
أتعرف عيونك الندم؟
أتعرف الألم؟
أوجاع الظهر والمفاصل والعنق
حتى أصابع يدي غرزت فيها مسامير
وفكيّ لا يتوقفان عن التذمر
بكل خلية من جسدي ... وجع
الأفكار خلايا نائمة تحت كل شبرٍ بجلدي
(خوف وشتات ورغبة في الهرب) تسكن أصابعي..
وجنبي الأيمن وبدايات عنقي
ساقي والقدم..
في أمعائي أفكار متصارعة
لا تهدأ إلى أن أتغوّطها بمرحاض صدئ

لوسترال، هلا اعتنيت بي
وصنعت الفاكهة عصيرًا يعوّض نقص السؤال فيّ؟
اعذرني،
فليس لي حبيب مسحته على رأسي تذهب وعكتي
ولا حتى أمتلك قبلة منه تشرق لها الأنوار في قلبي
وتحل بها الغربان السود عن رأسي.
ليت حبات السيرترالين خاصتك
تصحو من نومها داخل شريط الدواء
ويهبها الله لسانًا وشفتين
فتذهبُ الحبات كلهن في رحلة
إلى شقة الفتى القاطن بالمقطم
يتناول حبات لوسترال مثلي يوميًّا
وهناك، فلتخبر حباتي حباته
عن فتاة هنا وسط الصحراء
تنتظر اتصاله

سيقول: ألو..
لتقول: ألو، مرحبًا، كيف حالك، هل أنت بخير اليوم؟
وتقول دعنا نلتقي، لكن شرط ألا تحضر شريط لوسترال معك
لوسترال مضاد اكتئاب
انس ما قال الطبيب
فليس بنا اكتئاب.. بل أخبث
بنا داء عضال قد توحش
داء عشق..
فلا نبرح أسرتنا
إلا إن كلًّا منا بالعشق تحقق
ننام شهرًا، ونصحو وفي بؤبؤ العين فزعٌ متحقق
بل صرخة وليد لصدرٍ متدفق

قال الطبيب: واهمان!
تبًّا له، لا تسمع.
ليس بنا مرض.. بل أشرس..
بنا يمام وحمام وعصافير
أمم من الخلق..
وجبالٌ وطرق عبورٍ من ذراعك الجنوبية إلى كتفي الشرقي
ومن خصري إلى ساقك
ومن مدمع عيني إلى رمشك
ما قال عنه الطبيب اكتئابًا
هو في الحقيقة اعتراض وسخط
صرخة تنحت في جدران الكون
صرخناها ساعة أمسكوا الساطور وشقوا الجسد نصفين
شطر أنت، وشطر أنا
وما أسماه الطبيب اكتئابًا ليس إلا صدى صراخنا يتردد

ليس بنا عَطَبٌ، بل أَصْدَق
شَقٌ في الروح والجسد يتفتق
دع لوسترال وتعالَ إلى صدري
أقرأ عليك يوسف والكهف ومريم
أصعد بك سبع سماوات
ندرك في السابعة أنهن سبعمائة ألفٍ وأكثر
فلا لله بداية ولا نهاية نعرفها
ابْسِط إليّ كفك أعلمك أسماء آدم
وعلمني أنت خفقة القلب وأمل الجسد
فما بنا، ليس إلا فزعة العشق في قلبِ مبتهلٍ
راعهُ جمالُ حسنٍ مستتر.


***
إهداء لحبيبي عمر وقرة عيني..
 جمعتنا الحرية والحب، بعد طول انتظار وأمل.

الثلاثاء، 30 يناير 2018

حبال الوصل

أرجئ قلبي لوقت غير معلوم، أُعطي حبيبي عقلي -ونظرياتي أتحفه بها- لكن كلما أخرجت قلبي من صدري ليراهُ... أتعثرُ... وأنزعجُ بشدة..

حبيبي يخبرني: "أننا واحد": أنا وهو والله واحد.
فأنا حبيبي وحبيبي أنا وحبيبي هو الله والله هو أنا.

أخافُ أن أكشِفَ قلبي لحبيبي، وأختبئُ خلفَ المنطق -وهذا الاختباء ذنبٌ وخطيئة- يعرفها الله جيدًا حتى إن أنكرَتْها نفسي. 
أقول لحبيبي أخشى الخطيئة، لكني كاذبة، أنا أخشى الحبَ وأتذرعُ بأني أخشى الخطيئة: أنا لا أثق بالله.. وأتذرع بالمنطق.. والاحتمالات.. لأُخفِي.. أُخفِي أني لا أثق بك يا الله، فلا أثق بنفسي، ولا أثق بحبيبي، ولا أثق بالحياة..

 أَقطع.. أَقطعُ ولا أصل. أقطعُ نفسي عن الحياة وأقطعُ الله عن الحياة وأقطعُ حبيبي، فلا أصل، ثم أبكي، وأنهار، الله يضع يده فوق رأسي: "اهدأي.. اسْكُنِي" .. الله المهيمن.. وصوت حبيبي يخبرني: "أنا أبُوكِ وأمُكِ". 
أعرفُ أنّهُ أبي، وأنّهُ أُمِّي.. لكني رُغمَ ذلكَ كأي طفلٍ مشاكسٍ أتمرد، لأني أثقُ أنه يراقبني تمامًا كما لو أنهُ أُمِّي.

السبت، 21 يناير 2017

رحم سعاد

تفقد سعاد جنينها الثالث، وأمها مستمرة في حديثها عن الذهاب إلى طبيب جديد في مصر، وعن أنها سمعت أنه قد حبلت الكثير من ستات البلد بفضله، غير أن صوت أمها لا يعبر إلى أذنها.

يجثم على صدر سعاد شعور كبير بأنها لن تحمل بعد اليوم، وبأن رحمها قرر الانغلاق على نفسه واستراح إلى أن يموت ولا يحيا أبدًا.

في الليل، استلقت على جانبها. تمد بصرها إلى السماء الفارغة خارج نافذتها. حركة في الدار أدلت إليها برجوع زوجها. تحس برحمها كأنه كتلة صخرية ثقيلة تؤلمها. بل هو نقطة تمركز ألم حياتها كله ونقطة انبثاقه إلى كل أجزاء جسدها.

في الظلام، أدركت أن زوجها جالس إلى جانبها، وقال معلش -أو شيئًا كهذا- وبعد مضي وقت التفتت فرأته صامتًا وكانت قد ظنت أنه خرج من الغرفة. غامض مَن خطبوها وزفوها إليه! تحس في هذه اللحظة التي تراه فيها بذروة تقززها من صمته وعزوفه عن إظهار الحياة، وغضبها الذي نما عبر أيامها في بيته، وأنها ما دامت لن تحمل ورحمها أعلن إعراضه فإنها لا تريد أن تنظر مجددًا في هذا الوجه الذي لا تعرفه، وتظن أنها لن تعرفه وسيبقى مغلقًا هكذا ككهف مسكون بالعفاريت إلى الأبد. لكنها لاحظت غرابة في هيئته؛ كان مقوس الظهر منحني الرأس قليلًا، على عكس جلسته المتخشبة الواحدة دائمًا، ولمحت في النور الذي لا يكاد يبين التماع شيء على خده، قامت واقتربت منه، كانت دمعة من زاوية عينه. ترددت لكنها في النهاية مسحت دمعته بيدها. أدار وجهه فقابل وجهها (أيدمع الرجل الحجر كبقية الناس؟) الدموع انطلقت بغزارة كأنما مسام جلده ووجهه كله أخذ يدمع، شعرت برغبة في تقبيله، وكانت لم تعرف القبلة قط ولا سمعت بها، ولم تعِ أنها أخذت تضغط بيدها جسده كله وترتمي عليه، وأنه يتأوه، إلا بعد أن صار تأوهه صراخًا..

كان بدايةً يصرخ شبقًا ونشوة بشكل لم تعهده قط، ثم صار صراخًا حقيقيًا. ألمًا يشق صدر الليل. يحمل كل العويل والموت والندب والحسرة. يا قلبي.. ليه تبكي كدة؟ حرام عليك. تساءلت أين كان يحبس كل هذا الانفعال، ولماذا يتوارى خلف طبقات أسمنتية؟ ربطت عليه لتحمي ضلوعه من الانفجار، فتجمعت أنفاسه من أخمص قدميه ومعدته وصدره وجلده، وانطلقت من فمه وأنفه، وتفجرت في حضن سعاد.

العينان الحجريتان كانتا تتبدلان في عتمة الليل. تراهما سعاد تذبلان، تشفّان، كاشفتين عن عينين صغيرتين مسكينتين حزينتين كعيني جرو صغير. أُخِذَت سعاد، مسحورة بحزن عميق انبلج من داخلها أثناء مراقبة حركة عينيه، حزن غطاها حتى ابتلعها، فصارت تلثم العينين الحزينتين بقبلات متسارعة، كبيرة متلهفة، كأنما تريد لو تغمرهما تمامًا في دفء فمها. الجسدان يعلوان ويهبطان سويًا، وصراخه وتشنجاته تصبح أقل حدة، وسعاد تحمله كله داخل ذراعيها وساقيها، داخل جسدها الذي انصهرت عظامه ولحمه، فلم تعد تعرف أين الذراع وأين الساق، أصبح جسدها جوفًا سرمديًا كجنّة رحم آمن، دافئة مياهه، خافت صوته، خالٍ من خطر الحياة الدنيا ودنسها.

جسدها أصبح أسطوريًا، واختفى خجلها وإحساسها بالعار منه. وكان أيضًا ألمها لفقد جنينها يذهب بعيدًا ويختفي، ورحمها ينفتح رويدًا رويدًا للحب. 

إيثار أحمد نور
أكتوبر 2016

الأحد، 16 أكتوبر 2016

الزهرة

اليوم، هو الرابع من أبريل عام ألفين وستة عشر.. في آخر ما كتبته لك يا رب، صارحتك وأخبرتك بكل ما يتمناه جسدي من لذة وراحة وحب، أخبرتك بالتفصيل، ولم أجد في ذلك حرجًا ولم أستحي من أن أخاطبك بهذه التفاصيل الحميمة.. فأنت ربي، أقرب لي مني، مطلع على ما في صدري وإن لم أجاهر به وأكتبه. 

ربما لم أتخلص تمامًا من الإرث الثقافي الذي يعتبر المجاهرة بهذه التفاصيل عيبًا وإثمًا، مازلت أجد بعض الرهبة في أن أكتب إليك، لكني أتجاوز هذه الرهبة، وأكتب، وأبوح.. وحين أبوح إليك أشعر بالراحة والسكينة والسلام.. وأعرف جيدًا.. أن كل ما طلبته سيتحقق.. مثلما تتحقق المعجزات. 

بعدما كتبت إليك فورًا وجدت منشورًا على الفيس بوك، يقول في مضمونه أنه لابد أن نطلب من الله كل ما نريد "حتى الخيط في نعلك" اطلبه من الله فإنه لولا إرادة الله لن يكون... 

أريد أطفالًا أيضًا يا رب، الكثير منهم.. أحيانًا أفكر، إن كان الحب أسطورتي ومعجزتي.. إن كام مقدرًا لي أن أعيش حبًا بوسع هذا الكون، وأن أكون أمًا وأمومتي أوسع من الأكوان كلها.. إذن، فإن كل ما أعانيه الآن، هو مجرد ثمن أدفعه لتحقيق حلمي ومعجزتي، كل ألم في عقلي وفي قلبي وفي جسدي.. هو مجرد خطوة صغيرة نحو معجزتي الكبيرة.. أحيانًا أفكر، أنني في لحظة الولادة لن أتألم. 
أختي تخاف من ألم الولادة وتمقتها، وبنات جيلي مرهقات ومتعبات ومثقلات بالهموم، وأجسادهن لا تتحمل الحمل والولادة.. إنهن يعبرن طوال الوقت عن فزعهن تجاه الولادة.. لكني يا رب.. أشعر أنني، لن أتألم.. ستحل منك سكينة وسلام في جسدي ولن أتألم.. بحق كل ألم أتألمه الآن، لن أتألم.. والطاقة.. الحب.. النور بداخلي سيطغى على كل شيء. 

في لحظة الحب، سأكون كلي.. منتبهة لك يا رب، وفي ذلك كل الطيب والسكون والشفاء.

الثلاثاء، 9 أغسطس 2016

الآخرة خير وأبقى

"أحبك حبًا أعلم بانتهائه.. سأتوقف عن حبك غدًا أو بعد غد، ها هو حبك يذبل يوميًا.. يتلاشى.. لكني اتمسك بما بقي منه، بآخر شربتي حنان وشجن، أودع حبك في صم وجلال وابتسامة، دون حزن أو أسى.. أبكي بكاءً جميلًا لا ألم فيه، وأتذكرك ذكرى جميلة كطيف، أذكر كل ما هو حسن وطيب وأصيل فيك وأتغاضى عن القبيح.. بما ينفعني القبيح؟ وبما ينفعني ان ألومك أو أغضب منك؟ أحبك رغم أننا لن نلتقي اليوم ولا في أي يوم قادم.. وإن التقينا لن نصلح لان نكون سويًا.. أحبك رغم أن الحب زائل وصوتك سيمسح تدريجيًا من ذاكرتي.. وسأتذكره في لحظات قليلة عندما يأخذني الحنين لسنوات شبابي الأولى، لأول أنثى خلقت داخلي.. ولحقبٍ مضت.. أحبك.. أحبك.. رغم أنك فانٍ وأنا فانية، وما بيننا وما كنا ذاهب إلى زوال."

منذ عام مضى.. مايو ٢٠١٥