الاثنين، 14 نوفمبر 2011

على شكل قلب - من حكايا الماضي

 (اللوحة لسوزان عليوان)

منذ... لا أعرف ربما منذ سبع سنوات، كنتُ في الصف الأول الابتدائي، قصيرة، صغيرة، وكنت أفرق بين قدمي اليمنى والقدم اليسرى حين أقوم بانتعال الحذاء بتلك العلامة الصغيرة -التي يسميها البعض حسنة- في سبابة يدي اليمنى.

كانت لدينا حصة تربية فنية، والفتيات جميعهن من حولي ترسمن، أو يستجدين أيديهن أن تطاوعهن في رسمة، وتلك الـ"أبلة" في منتصف الفصل تحذرنا، وتتوعد كل من ستغش منا أو تغشش زميلاتها بقرصة أذن، وتخبرنا في حسم أن الغشاشات لن تحصل إحداهن على هذه المصاصات -على شكل القلب- التي في حوزتها.

بعد مضي بعض الوقت من الحصة، الفتيات بدأن بالاتفاف حولي، لا أذكر أبدًا أن الرسمة خاصتي كانت حلوة، لكنهن أصررن على أن أساعدهن في إتمام لوحاتهن، رفضت، لكني لم أرفض بشدة، رسمت لإحداهن شيئًا ما لا أتذكر معالمه، ورسمت شيئًا آخر لأخرى تدعى "لولوا". لولوا كما أتذكرها كانت فتاةً سعودية، سمراء نوعًا ما، شعرها طويل وناعم، وتزينه شرائط كان يفترض بها أن تكون بيضاء أو خضراء، لكنها في ذاكرتي تبدو وردية.

كنت قد شارفت على إنهاء رسمتي في كراسة الرسم الخاصة بـ"لولوا" وقلت لها أن تكملها هي، فامتعضت، وصمتت... أو لم تصمت -قلت لك أن ذاكرتي لا تسعفني- لكنه يخيل إليّ أنها صمتت، وهناك جزء مفقود أيضًا من الذاكرة فيه بقية أحداث الحصة... يمكن لهذا الجزء أن يعجَ بالكثير من الضوضاء، أو ربما كانت الفتيات خائفات أن لا تُعجبَ المعلمةُ بلوحاتهن... ربما! 

لكني أذكر نهاية الحصة جيدًا، حين انتهى الوقت، وطلبت المعلمة أن ترى لوحاتنا، رأتها جميعًا، وكانت تبدي إعجابها بها جميعها أيضًا في إيماءة أنثوية تقترن بالمدرسات دائمًا، تلك الإيماءة التي تبتسم فيها نصف ابتسامة وتهز رأسها بينما تعدّل من وضع عويناتها.

جاءت للوحتي، أعجبتها وأبدت نفس الإعجاب ونفس الإيماءة، كادت تعطيني الحلوى الحمراء تلك التي على شكل قلب، ولكن جاءت "لولوا" أخبرتها بصوت خفيض أنني ساعدت فتاة ما في لوحتها وهي تنظر إلي بطرف عينها، غضبت المعلمة نظرت نظرة لا أذكرها لكنها تبدو نظرة شريرة، أمسكت بأذني اليمنى -والله أعلم- وقرصتها بشدة حتى كادت أظافرها أن تنغرش فيها. وبختني بكلمات قاسية والغريبة أني لم أبكِ، لكني فقط وقفت جانبًا أنظر لـ"لولوا" التي كانت ترمقني من بعيد، من شمال فصلنا الكبير الذي كنت أشعر حينها أنه كون كامل، وهي كانت  تحمل المصاصة الحمراء التي على شكل قلب، تمصها، وتتمشى في الفصل في حركات طفولية. الحلوى كانت تمثل انتصارًا، وتبرهن على حب المعلمة للفتاة حاملة الحلوى، الحلوى كانت كفيلة بإزالة الألم، وبث الطمأنينة.

أردت فقط لو أذهب للمعلمة، أخبرها أني أنا من رسمت لوحة "لولوا"، وأنها كاذبة ماكرة، أو أغضبَ وأثورَ أبكي كما تبكي الفتيات جميعهن فتخرج الحرقة من قلبي، ولكن لسبب ما حقًا لا أذكره أبدًا... لم أفعل أيًا من ذلك.

"الحياة صارت مثل "لولوا" تأخذ الحلوى، وتترك ألمًا غير مكتمل :\"

هناك 8 تعليقات:

  1. السلام عليكم
    ايثار
    كل عام انتم بخير
    حلوة قوى بساطتك وانتى بتحكى ومحافظة على اللغة ببهجة وسلاسة فى نفس الوقت
    دومتى رائعة

    ردحذف
  2. لا يهم أبدا أن تذكري سبب لعدم انهيارك أو لعدم اخبارك عن تلك اللولوا ، فذلك مرتبط بكيانك ورؤيتك للحياة ، شئ ربما تلامين عليه أحيانا لأنك متفائلة ولست فظة، ولكن صدقيني كرجل بعد الثلاثين أرى الأن تماما ومن لاموني أني كنت المحق وهم على باطل، وهم أنفسهم تغيروا ليصبحوا مثلي ولم أتغير لأصبح أحدا منهم.

    ما أذاقك الله ابدا الما مكتملا، فاكتماله تكون بذكرى "خوف او ندم" ، ادعوه ان يبعدك عنهما.

    ردحذف
  3. اجمل حاجه انك قولتى فى اخر القصه جُمله بكل حاجه ممكن تتقال

    ردحذف
  4. مقلتلكيش اني استمتعت وشديتي انتباهي اوي معرفش ليه ؟

    ردحذف
  5. القصة جميلة أووووى يا إيثار
    و أحلى ما فيها أنها بتعبر عن حياتنا دلوقتى :)
    أخر جملة دى عبقرية بجد !!
    تسلم إيدك دايما يا جميلة <3

    ردحذف
  6. رجعتيني لايام الطفولة .. باتذكر قصص من هذه النوعية .. غيرة البنات من بعض .. وباتذكر انه رسمي كان حلو وانا صغيرة وكنت اخذ علامات حلوة في مادة الرسم !!

    لولوا الصغيرة مقدور عليها بس شو نعمل لو كان في لولوا كبيرة .. وبتعمل نفس الحركات بس على كبير يا معلم !!

    ربنا يبعد عنك الشر ..

    استمتعت بمروري وان شاء الله دائما هنا .. للاستمتاع بكل جديد .

    ردحذف
  7. الجميله الاخيره دى انجزت كتير من اللي جوانا

    استمتعت بشده بيجد تعرفي انى اكتشفت فوبيا الفراق دى عندى بسببك حسيتها اوى بيجد فوبيا الفراق وفوبيا الالم وفوبيات كتييير
    جميله ايثو ^_^

    ردحذف

حاول أن تساعدني في إصلاح هذا العالم