الأحد، 14 أغسطس، 2011

في نفق الأسود


علبةُ ألوانٍ مائية، فرشاة، أوراقُ "فيبريانو" سميكةٌ بعض الشيء -هي تُحبُها أكثر سَماكةً- تغمض عينيها وتعد:
واحِد، خَمسة، ثلاثة." تصمتُ قيليلًا ثم تراه: أحمر.
" سبعة، أربعة، اثنان: أصفر."
" تسعة، ثمانية، ستة: كستنائي."
 ذلك يَتوقفُ على الحَدسِ. تَشعرُ أنَ ثَمَةَ صلة بين الأرقام والألوان، لكنها لا تصلُ لقاعدة أبدًا. الأرقام الزَوجِيةُ تريحُها، الفردية تفرقُها، تشتتُها، وتثيرُ الرغبةَ في البكاءِ بداخلِها... كالمِياه الباردة تمامًا، لكنها تحب المغامرة فيها.

تفكر: "إن اجتمع (واحد وستة وأربعة) ماذا تُنتِجُ هذه الأعداد؟!"
الأعداد توحي لها بلونٍ بَنفسَجي داكنٍ، خيالُها يتوغل لدرجة أدكَن فأدكن،  اللونُ يصبح قاتمًا جدًا يريحُها لحد ما، تستغرقُ فيهِ.
تفيق وتميل للأمامِ باتجاهِ أورَاقِ الرسمِ خاصَتَها، تُمسِكُ الفرشاةَ تبللُها بمياهٍ صافيةٍ، تفرش خلفية بالـ(أسود)، تَصبُغُ الجوانب بالـ(أسود)، تنصُبُ حدودًا بالـ(أسود)، تنظر اللوحة تراها تعج بالكثير من العناصرِ السوداء، تَصطفي الأزرقَ من خيرةِ ألوانِها، تُمَرِغُ الفرشاةَ فيهِ، وهناك في الفراغِ تضَعُ نقطةً زرقاءَ في آخرِ نفقِ الأسوَد.

النقطةُ الزَرقاء الفَيروزيةُ تذكرُها به/ بروحِه/ بحُلمٍ في ليلةٍ شتائيةٍ؛ حيثُ يفتِكُ بِها المرضُ على فِراشِها المِخْمَلي، لكنها تقاوم، تَفتحُ عَينَيها بتوجسٍ، تَسمَعُ ضرباتِ قلبِها المرتج.
 تراه يصبُ بعضَ الماءِ في كأسٍ صغيرةٍ... يتمتم بكلماتٍ لا تسمَعُها تتوقع أنه يُصَلي، تُمني روحَها أنه يدعو لها/ من أجلِها، ربما يستغفرُ الله عن ذنوبِها، ربما يخبره بضعفِها وضعِفه، واحتياجهما إليه، ويَطلبُ منه أن تَظلَ بقربه، ويبكي، يبكي بشدةٍ... ربما يَفعلُ ذلك، هي تشعرُ أنه يفعلُ ذلك.

تَغيبُ عن الوعي لدقائق، ثم تَصحو من جديدٍ، يبدو لها أنه يرشف رشفةً من كوبِ الماءِ ثم يَضعُهُ على المنضدة المُجاورةِ لفراشِها، يَبتَسِمُ، و بعد قليلٍ يَنقَشِع... لا تهتم بالبحثِ عنه. تجلسُ وحدَها على طرفِ السرير، آلامُها تتفاقم، تُمسِكُ بالكأس التي صَب بها المَاءَ، تُقرِبُها منها ويتساقط بعضٌ الماء على ثوبِها بَينَ ارتعاشاتِها، تشربُ من حيث شَرِب، فتُشفى.

________________________________________

سُئل عَنهُ: "إيه أكتر حاجة بيحبها؟"

فأجاب بكل ثقة: "هِيَ" :)



الجمعة، 5 أغسطس، 2011

بيت شجرة

هذه التدوينة هي الأولى في يوميات "صناعة كاتب".. وهي من وحي تدوينتي تشي زكريا موجهة إلى سطوره الساحرة..

__________________________


الآي بود هو مجرد وسيلة لانتقال الصوت، وبالتأكيد كان بوذا يعشق الأصوات كان ليحب الآي بود وصوت الطيور والغربان والتلفاز وصرير الأبواب؛ الأصوات تعبر عني وأنا أحبها جدًا.

إن أخبرتك أني أتحدث الصمت ستخبرني أني كاذبة وسأوافقك الرأي.. لكنك في مرة حين تجد أن هناك الكثير لم تسمع به ولم أخبرك عنه قط ستخبرني أني لا أتكلم أبدًا.

في يوم حلمت أن أصبح نبية.. كان ذلك الحلم الطفولي حين تحلم وترسم حلمك مخططًا أدق تفاصيله، وتقرر أنك حقًا أصبحت كذلك. تتعجب من كل هؤلاء البشر كيف لا يشعرون بنبوتك السافرة؟! أغبياء هم.. تسأمهم، ثم تقرر حين تكبر قليلًا أن تصبح نبيًا من الداخل وألا تفصح أبدًا عن هذا السر الخطير. يمكنك أن تشاكسني إن أردت فأنا نبية طيبة وصبورة :)

لم أرقص بتلك الأحذية التي ترقص بها راقصات الباليه من قبل، ولم أمارس الطيران والسقوط من فوق برج عالٍ. لم تسنح لي الفرصة أن أعيش روايات باولو كويلو وأكون بريدا ليوم واحد، حتى أني لم أمارس السحر قط.. ولم أقضِ ليلة مظلمة في غابة وحدي وصاحب الهالة يقف ليراقبني. ويؤسفني القول أني لم أمت مطلقًا، أتتخيل ذلك؟!
أعتقد أن المثير في تجربة الموت لحظة الموت نفسها، حين تنتابك حالة من الذهول واليقين والمعرفة.. نعم أصبحت تعرف كل شيء.. على الأقل ما عليك أن تعرفه، المثير أكثر حين يترك لك الله فرصة أخرى للحياة وتكتشف أنك جاهل إلى أبعد الحدود وهناك الكثير لتعرفه بعد.

للكون طفرات.. بدء وانتهاء، بدء وانتهاء، وبدء آخر وإنتهاء آخر..عليك أن تنتظر دورك التالي لتعيش طفرة البدء وربما تموت قبلها ويعيشها أبناؤك، نحن نوجد منا صورًا مصغرة ليعيشوا ما لم نعشه نحن. لكن حقيقةً يجب أن نصنع طفراتنا بأنفسنا.

 لا أحبذ سيارات الأجرة فأنت مطالب بالدفع، وربما يكون السائق ثرثارًا، سأشتري سيارة خاصة وأذهب بها إلى العدم، ليس كل العدم فراغًا، لكن هو فقط يتوارى خجلًا.

دائمًا ما سحرني بيت الشجرة.. كنت أصنع خاصتي لكن على الأرض لأنه لم يتوافر لي شجرة، بيتي كان مكونًا من ملاءات البيت جميعها، وإضاءة خافتة، وصوتي الصغير وأنا ألح على أختي أن تلعب معي "أم وأب" وفي النهاية تلعب رغمًا عنها، أو لا تلعب رغمًا عني وأجلس وحدي مكسورة الخاطر. الأمر ليس صعبًا كل ما نحتاج إليه هو بيت وشجرة... و.. طفل؟! أعتقد أنه يسهل الحصول على بيت وشجرة لكن الطفل طلب حالم قليلًا.

الكائنات الخيالية أيضًا كثيرة جدًا ليست المائية وحدها، وأيضًا ليست فقط المخلوقات المائية هي من تتحول مع نظرية دراون وتنقض علينا، نحن أيضًا نتحول ربما تغزونا بشرية أخرى يومًا ما.. ربما.

أتعلم عن النوم؟.. هو اللاوعي حيث تفقد جزءًا كبيرًا منك تحت سطوته، أحب التفاصيل، أحب أن أفتح عينيّ قدر الإمكان على مصراعيها وأرصد كل حركة أو تردد صوتي في الهواء..النوم يحرمني هذه المتعة.

أنا أكره النوم جدًا.. أنا لم أنم منذ اليومين..
أنا ذاهبة لأنام.