الأربعاء، 30 نوفمبر، 2011

حكاية الفقد


نص مشترك مع "فاطمة الشافعي"

______________________________________________
توصيه دومًا أن يبكيها عندما ترحل عنه، فهذا هو السبيل الوحيد ليتخلص منها إلى الأبد، ويمحو كل آثارها المحفورة بروحه، يمحو ابتسامتها ونصف النظرة التي تنظرها.

توصيها دومًا أن تحكيها بعدما ترحل... فهذا هو السبيل الوحيد لتحتويها روحها الدافئة..
توصيها أن تعلّق المصابيح، وتشعل الشموع حول قبرها، فترد عليها بكلمات مقتضبة، تخبرها فيها أنها لن تحتاج إلى كل هذا الهراء، فهي وحدها في القبر... ستكون منيرة.

تلملم شتات روحها المنكوبة بفقدها، وتنثرها حول عرش مماتها، كأنها الورد، أو زهر قرنفل.
هي تعلم أن روحها لن تفقد، لن تفنى، ولكنها فقط تسديها معروفًا أخيرًا بجمع روحها..
هي تعلم أنه بعد الزرع -وإن طال الوقت- يأتي الحصاد... ربما ذات صباح يحصدون قمح روحها، يفرقونه على أهالي القرية، يغترفون منها، ويزرعون بعضها في الفدادين الخالية، يصدرونها إلى العالم، والعربة التي تنقل قمحها سيكون بها ثقب صغير يسرب حبّاتها... فتتحرر.

أسطورتها هي شجرة الحكي التي نبتت فوق ضريح روحها، تحكيها، تحفر اسمها فوق ثمراتها وأخشابها، وتنقشه برفق على أرواحهم.

"وعن الفقد تحدثنا... فلنرجع إلى ما قبل الفقد ونتحدث"
هي...
قلبها أبيض كالثلج، مفعم بروح النار... لهيب يمحو اليأس، وبرود ينعش الآمال. بين هذا وذاك كانت هي.
تغطي أرواح الأحباء بأزهار شتوية بيضاء، تكسوهم بردًا على برد، قبل أن تنفخ في أرواحهم الدفء ليحسنوا التصرف حين يبلغ التجمد ذروته.
كان رحيلها بسببه، هو استنفذ روحها لآخر قطرة... وكانت هي فقط تطمح لوهبه المزيد، كان يقلب الموازين، لم يبق لها الدفء دفئًا ولا الثلج ثلجًا، لم يبق بيدها شيء فذهبت...
قبل أن تذهب قررت أن تؤلمه...
قررت أن توقظه...
فأخبرته أنها هي... هي غير هي التي سبقتها.
هي تحمل روحًا بخلاف روح "هي" التي سبقتها.
هي سقته روحًا بدلًا من روح استنزفتها هي"التي سبقتها"...
وكان جل خطئها أنها تركتها تسبقها.
ذهبت عنها رائحة الزهرات الوردية، والملامح البريئة، والكلمات المتعثرة... أخبرته الكثير، ثم استدارت وأخبرت نفسها أنها تكذب.
ربتت على كتفه، قبلت وجنته، وبكل روح في كيانها احتوت هموم استيقاظه، غسلت روحه الحزينة بماء فانيليا، وعطرته بكراميل... أخبرته لأول وآخر مرة أنها تحبه ورحلت.
رحلت إلى القبر؟! ربما... لا يهم، الأهم أنها رحلت... تداوي ذكراها قلب صديقتها أو ربما تقتله.
.
"كان الحديث عن الفقد صعبًا... وحديث الفقد الأصعب"
كانت تمشي بينهم مرفوعة الرأس، منحنية الروح في متلازمة انحنائها المتفردة.


"ثم حدث كل ما حدث بعد الفقد، ولكن المفقودة ليست بطلتي... بطلتي يجب أن تبقى، وورقي مازال أبيضَ، وحبري لم يجف بعد... فلنتحدث عن بطلة كان حظها أسعد."
بطلتنا سعيدة الحظ...
لونها زهري، تبتسم ابتسامة كاملة، تنظر إلى أعلى، الأعلى ينظر لها.
شجنها لفقد صديقتها جعل بطلنا يلاحظها، بطلنا أحب شبح السعادة الذي يغلفها، وروحها الراقصة على إيقاع كونها الخاص... سئم الدفء والورود البيضاء، سئم الثلج الذي يذوب، أحبها هي... فقط كما هي.
بصفرتها الساطعة، ولون عينيها، حتى سطحيتها أحبها... ليس حبًا للسطحية لكن فزعًا مما في العمق، تصيبه فكرة أن يقترب منها بالجنون؛ لأنها ربما في نظرة مختلسة إلى جوفه لرأت ما لا يريد أن يفصح عنه، لرأت الكثير، لرأت الموت والحياة وما بينهما، لرأت الثلوج والأمطار والشموس، لرأت صديقتها... ومهما فتشت لن ترى نفسها أبدًا...

تصمت الحاكية، لا تجد ما تحكيه... لأول مرة تلاحظ أن الحياة أبدًا ليست عادلة، ما للمفقودة للحزن؟! كل ما احتوته هي كان فرحًا، كان أملًا... كانت... وكل ما بها بصيغة ماضٍ لأنها مفقودة.

"مفقودة... مفقودة... مفقودة!!"
ظلت الكلمات تترد فيه بعدما أفصح عما بجوفه، صار يبحث عنها في كل شبر، في كل أرض، في كل سماء، في المقابر، في المساجد وهو ساجد يدعو الله، في الكنائس والبيوت، وبين طرقات القرية... لأنه لم يكن يعلم أنها لم ترحل يومًا سوى الى قلبه، أغلق بابه وسكنت هي، وناما إلى الأبد.

 أما عن بطلتنا.. اكتشفت الحاكية أن هذة لم تكن يومًا حكايتها.. لذا 
قررت أن تضمها مركبًا آخرَ إلى الموكب.. موكب تخليد ذكرى حكاية الفقد.

_______________________________________________
إليها، إلى فاطمة: النصوص المشتركة التي تجمعني بكِ تجعلني أؤمن إيمانًا كاملًا أنكِ قرينتي :)

الجمعة، 18 نوفمبر، 2011

فارسنا مش فارس!


فارسُنا فارس "مِعَدي"، مغوارٌ، شجاعٌ شجاعةَ الأسدِ... فارسنا خارقٌ، بارع، أي أنَ فارسَنا "جامد آخر حاجة" ترى في عينيه تلك النظرة الثاقبة، وأيضًا الباردة.

فارسُنا يهابه البشرُ جميعًا، يرغبُ عن النظر بعيون البشر جميعًا، ويعتقدون في سذاجةٍ أن ذلك ترفع وتعالٍ من الفارس المبجل، لكن في حقيقة الأمر فارسنا لا يحبذ -أو بالأصح- يخشى أن يرى ذاتَ نظرةٍ في حدقتي أحدهم ذلك الكيان الذي يفزعه، ويبعث الرجفة في أوصاله... فارسنا يخاف أن يرى نفسه.

الاثنين، 14 نوفمبر، 2011

على شكل قلب - من حكايا الماضي

 (اللوحة لسوزان عليوان)

منذ... لا أعرف ربما منذ سبع سنوات، كنتُ في الصف الأول الابتدائي، قصيرة، صغيرة، وكنت أفرق بين قدمي اليمنى والقدم اليسرى حين أقوم بانتعال الحذاء بتلك العلامة الصغيرة -التي يسميها البعض حسنة- في سبابة يدي اليمنى.

كانت لدينا حصة تربية فنية، والفتيات جميعهن من حولي ترسمن، أو يستجدين أيديهن أن تطاوعهن في رسمة، وتلك الـ"أبلة" في منتصف الفصل تحذرنا، وتتوعد كل من ستغش منا أو تغشش زميلاتها بقرصة أذن، وتخبرنا في حسم أن الغشاشات لن تحصل إحداهن على هذه المصاصات -على شكل القلب- التي في حوزتها.

بعد مضي بعض الوقت من الحصة، الفتيات بدأن بالاتفاف حولي، لا أذكر أبدًا أن الرسمة خاصتي كانت حلوة، لكنهن أصررن على أن أساعدهن في إتمام لوحاتهن، رفضت، لكني لم أرفض بشدة، رسمت لإحداهن شيئًا ما لا أتذكر معالمه، ورسمت شيئًا آخر لأخرى تدعى "لولوا". لولوا كما أتذكرها كانت فتاةً سعودية، سمراء نوعًا ما، شعرها طويل وناعم، وتزينه شرائط كان يفترض بها أن تكون بيضاء أو خضراء، لكنها في ذاكرتي تبدو وردية.

كنت قد شارفت على إنهاء رسمتي في كراسة الرسم الخاصة بـ"لولوا" وقلت لها أن تكملها هي، فامتعضت، وصمتت... أو لم تصمت -قلت لك أن ذاكرتي لا تسعفني- لكنه يخيل إليّ أنها صمتت، وهناك جزء مفقود أيضًا من الذاكرة فيه بقية أحداث الحصة... يمكن لهذا الجزء أن يعجَ بالكثير من الضوضاء، أو ربما كانت الفتيات خائفات أن لا تُعجبَ المعلمةُ بلوحاتهن... ربما! 

لكني أذكر نهاية الحصة جيدًا، حين انتهى الوقت، وطلبت المعلمة أن ترى لوحاتنا، رأتها جميعًا، وكانت تبدي إعجابها بها جميعها أيضًا في إيماءة أنثوية تقترن بالمدرسات دائمًا، تلك الإيماءة التي تبتسم فيها نصف ابتسامة وتهز رأسها بينما تعدّل من وضع عويناتها.

جاءت للوحتي، أعجبتها وأبدت نفس الإعجاب ونفس الإيماءة، كادت تعطيني الحلوى الحمراء تلك التي على شكل قلب، ولكن جاءت "لولوا" أخبرتها بصوت خفيض أنني ساعدت فتاة ما في لوحتها وهي تنظر إلي بطرف عينها، غضبت المعلمة نظرت نظرة لا أذكرها لكنها تبدو نظرة شريرة، أمسكت بأذني اليمنى -والله أعلم- وقرصتها بشدة حتى كادت أظافرها أن تنغرش فيها. وبختني بكلمات قاسية والغريبة أني لم أبكِ، لكني فقط وقفت جانبًا أنظر لـ"لولوا" التي كانت ترمقني من بعيد، من شمال فصلنا الكبير الذي كنت أشعر حينها أنه كون كامل، وهي كانت  تحمل المصاصة الحمراء التي على شكل قلب، تمصها، وتتمشى في الفصل في حركات طفولية. الحلوى كانت تمثل انتصارًا، وتبرهن على حب المعلمة للفتاة حاملة الحلوى، الحلوى كانت كفيلة بإزالة الألم، وبث الطمأنينة.

أردت فقط لو أذهب للمعلمة، أخبرها أني أنا من رسمت لوحة "لولوا"، وأنها كاذبة ماكرة، أو أغضبَ وأثورَ أبكي كما تبكي الفتيات جميعهن فتخرج الحرقة من قلبي، ولكن لسبب ما حقًا لا أذكره أبدًا... لم أفعل أيًا من ذلك.

"الحياة صارت مثل "لولوا" تأخذ الحلوى، وتترك ألمًا غير مكتمل :\"