الجمعة، 6 أبريل 2012

أسطورة القبة

*الصورة بالأسفل من جامع السلطان حسن حيث التحليق.
والنص إهداء للرفيقات؛ لبنى، حنان، فاطمة، ورضوى.  
...


تمشي غير منتعلة لشيء على أرضية المسجد الباردة، وتدور، تبتسم، تتحدث، تدور، تنظر لتفاصيل السقف والأعمدة، وتدور، تلامس السجاجيد عند ولوجهن إلى الممر المؤدي إلى الداخل، تتنفس الهواء المتدفق من فتحتي الممر، وتدور، تمر على أنفها رائحة المساجد التي لا تخطئُها أبدًا فتتوقف تفتح عينيها وتنصت.
تذكر المسجد الذي كان في الصغر، الرائحة وتفاصيل التفاصيل، وصراخها المبتهج الخارج من الحنجرة الصغيرة كي تلقي ما حفظته من القرآن عليهن، فتبتسم النساء والفتيات من حولها جميعًا وتخبرها تلك التي تترأس الحلقة أن أسمعينا صغيرتي، فتبدأ "تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)" وتبتسم ابتسامة كبيرة مع تصفيقهن، كانت تشعر بعظم عملها، هي حفظتها بدون أخطاء، وألقتها أمام الجميع. حينما عادت تتلو السورة في نفسها بعدما كبرت، اكتشفت أن السورة تتكون من خمس آيات قصيرات! هل كانت في ذلك الوقت صغيرة إلى ذلك الحد الذي يجعل الأشياء جميعها تبدو ضخمة؟ أم كانت السورة كبيرة آنذاك وتقلصت مع الزمن؟!
 تكمل التوغل في المسجد على أطراف أصابعها حتى لا تزعجه، تنظر إليها فتجدها مزينة بطلاء وردي نسيت أن تنزعه، وهي لا ترتدي جورابَ، تتململ أصابعها إلى الداخل في حركة تلقائية متوارية في بنطالها، وتنظر من حولها خشية أن ينظروا إلى الضوء الوردي المنبعث من قدميها، تنظر لرفيقتها، تخبرها هامسة: "أشعر الخصوصية في قدمي، كأن ذاك الذي ينظر إليهما يجدر به أن يصل إلى درجة عليا في نفسي لأنه رأى شيئًا يخصني جدًا، يحمل آثاري جدًا"، تصمت قليلا ثم تبتسم وهي تنقل نظرها بين قدميها وقدمي صديقتها، تعرف أنها وصديقتها قد وصلتا إلى درجة عليا في النفس فكل منهما تطلع على قدم الأخرى الآن بلا ساتر!
تتركان حقائبهما المعبأة بأشياء لا قيمة لها، وتمعنان في التوغل، حيث البهو والميضأة التي تعلوها قبة معقودة متحاملة على الأعمدة، والأبواب، والعرائس في الأعلى، والطريق المؤدية إلى ضريح، الضريح المحاط بدوره، والقناديل مضاءة حوله، وريشات طير تناثرت على الأرضية. كان هناك تجويف مربع في الحائط يتوسطه باب، صعدت إليه: الأرضية هناك مختلفة عن باقي أجزاء المسجد، لامست الباب، تحسسته جيدًا، وتساءلت مرارًا: ما الذي يقبع خلفه؟
تسحبها يد الرفيقة من الخلف تخبرها أنها تريد أن تصلي، فتبتسم وتتبعها. قامت منتصبة تصلي في المحراب، وهي تجلس بالزاوية تنظرها، كانت لا تنفصل عن المكان، تغمض عينيها وتنتقل؛ راكعة، قائمة، ساجدة، والقناديل المطفأة كتب عليها بالأخضر "اللهُ نورُ السماواتِ والأرض"، والضوء متركز في البهو. دققت النظر في القبة فوق مكان الوضوء تقرأ الكلمات ثم تعيد تجميعها في ذهنها ليتضح أن ما كتب كان آية الكرسي، تذكر حين كبرت (نسبة لصغرها السابق) وكانت تستعد لترتيل القرآن في مسابقة مدرستها في الصف الأول الابتدائي، كانت مطالبة بحفظ آية الكرسي، والآيتين الآخرتين من سورة البقرة، وفعلت وفازت بالجائزة في ذلك اليوم الذي ارتدت فيه الثوب الأخضر... لا ربما كان الثوب الأخضر في الصف الثاني ليس الأول! سحقًا إنها لا تذكر. لكنها متيقنة من أنها فازت في مسابقة القرآن، وأنها ارتدت ثوبًا أخضر في حفلة ما، وأخذت جائزة، وانكسرت الجائزة بينما كانوا يلملمون أشياءهم استعدادًا للسفر إلى مصر.
لا تبالي بتلك التفاصيل التي بات التفكير فيها غير مجدٍ، تعاود النظر إلى الرفيقة، تذكر قول إحداهن أن "الملائكة هناك في تجويف قبة المسجد تردد ما في تجويف قبة قلب أحدهم" ربما لم تقل ذلك بنفس الصيغة لكنها يصعب عليها تذكر قولتها بالتحديد. تقول في نفسها أن بمجرد انتهائها من الصلاة ستخبرها بأسطورة ملائكة القبة.
 تتابع مراقبتها: راكعة، قائمة، ساجدة، مسترسلة في الحديث إليه بشفرات سرية لا يفقهها غيرها، تنتظر، وتنتظر، ويبدو لها أنها لا تفرغ من الصلاة أبدًا، أنها ستظل تصلي إلى قيام الساعة.

هناك 5 تعليقات:

  1. التدوينة بالأعلى من جامع السلطان حسن، -بعيون الجميلة إيثار-، حيث التحليق، -لزيارة المكان! لقراءة النص، وقراءة الجميلة إيثار...-

    "الملائكة هناك في تجويف قبة المسجد تردد ما في تجويف قبة قلب أحدهم"......

    ردحذف
  2. مش لاقية تعليق
    بس انا شفت رجلك ^_^
    هع هع
    ..
    بجد البوست تحفة يا رارا
    وحشتييييينى اوووووووى
    <3
    ويييييحك

    ردحذف
  3. قصة جميلة كتبتها انامل رقيقة بحروف بسيطة تضاهي الثريا منزلة

    ردحذف

حاول أن تساعدني في إصلاح هذا العالم