الثلاثاء، 24 أبريل 2012

النظر إلى أعلى

:)
:|
:\
:(

وضاع المكان.

متى شربت السحلب؟ شربته كثيرًا، لكنه في روحي يتمثل في ذكرى ذلك المغرب، حين صنعتْ لنا أكواب السحلب، وجلسنا جميعًا -نحن الأطفال آن ذاك- نشرب السحلب. كنا نشعر جميعًا أننا أبناؤها، ثم سألني ذلك السؤال السخيف "هو باباكي ومامتك راحوا فين؟" لكزته أخته. وصار الفارق واضحًا؛ هي أمهم وحدهم، أنا لا أم لي. لم يكن السؤال سخيفًا بمعنى أنه مؤلم، أنا لم أتألم قط، قد كان سخيفًا فقط لأني لم أجد الإجابة! دائمًا ما يقولون للصغير أن الماما ذهبت "عند ربنا" أو ذهبت لشراء الحلوى، لكنهم لم يقولوا لي أيًا من ذلك قط، سحقًا لهم! من أين لي أن أعرف الإجابة؟
أتعرف... يبدو أن الأطفال يحبون أن يسألوا عن الراحلين، تأكد لي ذلك حين استوقفتني سلسبيل؛ تلك الفتاة في مدرسة "العاشرة" ذات الشعر المجعد، سألت "هي مامتك فين؟" ولم تكتفِ بسؤال طفولي بريء، كانت تصر، وأنا لا أعرف الإجابة، وتسأل "ها؟ فين؟" يبدو أنها كانت حقًا تريد أن تعرف "فين؟" لأن ذلك الـ"فين" الذي لا تعرفه يثير فضولها، ويشعل خيالها، ويبقيها ساهرة تفكر. ربما ذهبت أمي لأرض خيالية، فيها السحاب من غزل البنات، والفتيات يحملن دوائر حمراء على وجناتهن كما الدمى، ويلبسن الفساتين الوردية القصيرة. ربما ذهبت لأرض شعثاء، مخيفة، وأنهارها من نار، وقابلت هناك غولًا فأكلها، أو قابلت غولًا فوقع في غرامها من النظرة الأاولى -فأمي فاتنة كما تعلم- وبعدها لم يتزوجا لأنها كانت تخشى على أطفالهما من الجينات البشرية، فافترقا بعد قصة حب ملتهبة. وربما نفخ فيها تنين ناره، وجالت البلاد بوجه محترق، وكانت تدرك أن هناك من سيرى الجمال فيه تحت قشور جلدها لأنه "عنده نظر" ولا يحتاج لأن يرى امرأة تضع مساحيق التجميل "غير الآدمية" ليعرف أنها جميلة، ربما.

أتعرف أني عشت في بيئات عدة: في بلد خليجي -كما كثير من البشر- ثم في حي شعبي مصري، ثم في أحياء الطبقة المتوسطة التي تسعى لتسلق طبقة أعلى، وعشت كذلك في حي الفضائيين!. ولا أخفيك سرًا، لم أشعر بالانتماء لأي من هذه الأحياء، لم أشعر بوجود الوطن، ولم أشعر بالجغرافيا.. طوبى لك ولقهوتك.
أيقنت بعد كثير أنه لا وطن، أو أني لا أحتاج لوطن. ومن ثم فلتهجر كل ما قاله درويش عن الوطن الذي سقط من زجاج القطار. الأفكار لا تحتاج لأن تستوطن أرضًا.. ليتني أصبح إحداها.

:(
:\
:|
:)

ضاع الزمان.

سئمت الأحداث، المجادلات الواهية، تجار الدين، الديجا فو، وريشة العود الضائعة.
سئمت الشعور طويل المدى بالتهاب الروح والأورام الناتجة عنه، والتي تجعلني أبحث عن السبيل للفرار من الجسد، لم يعد يلائمني، صار يوجعني في تلك المناطق التي لا تشبهني. تخبرني الفتاة الشمس أني في بعض الوقت من الزمن أتوقف عن التنفس وعن إسدال جفنيّ، حتى أنها تعتقدني ميتة. أخبرها أني كنت فقط أنظر لأعلى، أمسك برأسي ويخيل إليّ أني إن عزمت على اقتلاعه من العنق لنجحت في ذلك. تعود لتخبرني أن يدي نظيفة اليوم! ولم ألوثها بأحبار زرقاء وحمراء، ثم تمسك بكفي وتكتب على ظهرها "أنا فكرة" فأبتسم، أردّد: "أنا فكرة!".

أنا في الثالثة عشرة، كيف يمكنني أن أستبدل بالرقم ثلاثة أربعة في السنة القادمة؟ كم ذلك مؤلم.. "أن تكبر"!
حقيقة.. لا، ليس بذلك الإيلام، أعني أن الألم ينتابك فقط حين تعود لإطار الزمان والمكان. ما دمت خارجهما فأنت أفضل.

أذهب؟ لا أعرف! أكمل الكتابة قليلا؟ أم أكتفي بهذا القدر الليلة؟

أنا ذاهبة لأنام..
تصبح على خير وسحلب.
..

* كان ذلك مرسالا لأحدهم، ومرسالا لمن شاء أن يتلقاه.

هناك 6 تعليقات:

  1. ااااااااه منك...رائعة

    ردحذف
  2. تصبحي على سحلب و زنجبيل و نعناع و خير طبعا :)
    جميل جدا يا ايثار
    بجد مبهرة

    ردحذف
  3. wonderful, not the pain but how to explain.

    ردحذف
  4. لا يمكنني التوقف عن إعادة القراءة مرارًا ومرارًا ومرارًا
    أنا مبهووورة!

    ردحذف
  5. الجميلة إيثار
    أسلوبك مميز جداً، من الأساليب التي أحبها
    تمتازين بالعمق والغموض، لا نمل من القراءة ونقرأ مرات ومرات
    السنوات تمر ونكبر، لكن يا صديقتي لكل فترة عمرية جمالها،
    انتِ تكتبين تداعياً حراً فتبدوا الأفكار للوهلة الأولى غير مرتبة وغير مترابطة، لكنها في الحقيقة مترابطة، ومرتبة ترتيباً هندسياً.
    هناك بعض الكلمات كأسماء الأشارة وأفعال كان وأخواتها يمكن حذفها لتسهيل طريقة السرد وهي لن تضر حينما تحذف
    الرمزية مميزة عندك يا إيثار وهي رمزية ليست مبهمة فلكل رمز مفتاحه الذي يشير إليه.
    استمعت كثيراً
    اتمنالك المزيد من التوفيق صديقتي العزيزة.

    أحمد سعيد..نيجــر

    ردحذف
  6. أسلوبكِ تطور جدًا يا إيثار :)

    رائعة فعلاً

    تصبحين على أجمل أحلام و أفضل واقع :*

    ردحذف

حاول أن تساعدني في إصلاح هذا العالم