الاثنين، 27 أكتوبر 2014

بنيته بنية رجل، الولد الصغير

غريبٌ، أن أنظرَ في عينيك، ألقاهُما، عينَيْ رجل؛ رجل مثل رجال بلادنا، ذابلتين، وغائرتين. أي خريف مرَّ مُرًّا لتذبلا إلى هذه الدرجة؟ غريبٌ اسودادُ لونِهِما. من رسمَهُما؟ وكم عودَ ثقابٍ أَشْعَلَ وأَحْرَقَ حتى يرْسُمَ هذا السواد؟ غريبٌ أن جسدَكَ وعظامَكَ، عظامُ رجلٍ. غريبٌ أن جلدَكَ جلدُ رجل، وعليه حفرُ الزمنِ والتراب.

غريبةٌ يداك، أن تصيرا يديّ رجل، وقد كنتَ بالأمسِ ولدًا صغيرًا. أُخَبّيه بداخلي ويُخَبّيني بداخِلِهِ. بعدما صرتَ كبيرًا هكذا، غريبٌ أني مازلت أتذكرُكَ كولدٍ صغير.

غريبٌ أني أكبُر، وأني كلما أَخذتُ ذلك على محملِ الجد بكيْتُ. غريبةٌ أنا، غريبٌ أن قدمي لم تعد قدم طفلة، بل أوشكتُ أن أصبح امرأة. وأن شعري عندما أفُكُّه لا يبدو كشعرِ طفلةٍ. ولا أدري: هل بعد أن صرتَ رجلًا كبيرًا وصرتُ بنتًا كبيرة، ممتلآن بالوجع والتراب والألم، والذكريات التي تشبه ذكريات الناس الكبار -لا الأطفال- وبعد كل هذه الحروق والندوب، والقضبان الحديدية داخلنا وخارجنا، هل مازال متاحًا أن نختبئ داخل بعضنا البعض مرة أخرى أم لا. غريبٌ أني لا أدري.

ربما ساعة نلتقي نغسل قلوب بعضنا البعض.. صحيح أن أجسادنا لن تصغُر ولا جلدنا القاسي سيتغير، سنصير بجسديْ رجل كبير وبنتٍ كبيرة، يحملان بداخلهما، قلبيْ عيِّلين صغيرين.

ونربتُ على بعضنا البعض، وأحمل قلبك داخل قلبي.

الخميس، 6 مارس 2014

أي هري

أنا احتمال أتهف في عقلي وأحب إني يبقى عندي عيال. يب دي حقيقة.

وأنا صغيرة كان عندي خيال خصب فشخ، وكنت بحلم كتير، وابتديت كتابة أصلا بإني أكتب الأحلام اللي بحلمها، كنت بحضن العرايس وبعاملهم على إنهم عيال وكدة وبتخيل جارتي الخيالية وأنا قاعدة أحكيلها عن هم العيال وتعبهم.. لما كبرت الموضوع مختلفش كتير، أنا بحضن الدبدوب الأحمر دلوقتي مثلاً وبتخيل اللي بحبهم جنبي وبقعد أكلمهم.

كنت بفكر هو ازاي تبقي أم وتبقي مطالبة إنك تقعدي ترضعي في ابنك وتهتمي بيه كل شوية.. فكرة أصلا إن فيه كائن بيتغذى على جسمك وبياخد حتة منك وبيضعفك وبتواجهي أكبر ألم ممكن تواجهيه وانتي بتولدي ثم يكمل استهلاك فيكي في العناية والاهتمام ويبقى لازق في جسمك طول الوقت.. طول الوقت! يعني أنا كنت بفكر إنه ازاي فيه بني آدم تاني كبير هيشاركك جسمك لبعض الوقت وكنت شايفة إن دي فكرة غريبة وكدة، أمال بقى كائن صغير، والصلة بينك وبينه مش بمزاجك، مفيش تكافؤ ما بينكم زي الحالة الأولى بتاعة الشخص الكبير، مفيش رغبة مشتركة، فيه احتياج، احتاج كامل، واعتماد كامل، ممكن تبقي مبسوطة شوية.. بس أكيد وانتي طالع عينك ومتخانقة مع دبان وشك وعرقانة وكارهة الدنيا باللي فيها والمود سوينجز ساحلة اللي جابوكي مش هتبقي مبسوطة وهو لازق فيكي كدة.. وهتعيطي.

لقيتها فكرة مستهجنة جدًا بالنسبالي إني أبقى عندي طفل وبرضعه وبهتم بيه.
وبعدين فكرت فيها من ناحية تانية.. فرضًا، أنا دلوقتي ست عندها أربعين سنة مثلًا، عندي عدد من العيال، 3 مثلًا، العيال كبروا، بعد ما كنت بهتم بيهم اهتمام كامل وبيستهلكوا جسمي وروحي. وعندي راجل عايشة معاه، بطل يلمسني أساسًا زي ما بيحصل.. لما جيت أفكر مين أقسى إنه مبيلمسنيش ولا إني كنت برضع عيالي ومبقتش برضعهم.. لقيت إن العيال أقسى بكتير.. وإني مش عارفة ازاي واحدة مرت بمراحل الحمل والولادة والتربية ممكن تتعايش مع إن ده كان فترة وخلصت. أيوة وأنا تعبانة ومرهقة وكل الكلام ده هبقى ساعات متضايقة وحاسة إني مستهلكة، بس أكيد رغم كل التعب مش هبقى عايزة ده يخلص وهبقى عايزاه يفضل كتير.. ولو جربته مرة معرفش ازاي ممكن أستغنى عنه، وده يفسر مثلا الستات اللي بيبقى عندهم إدمان للخلفة.. فيه واحدة في عيلتنا عندها إدمان للخلفة فعلاً، وهي كلها على بعضها مينفعش تبقى أي حاجة غير أم.. وكل كلامها مع أي حد سواء عيالها أو حد تاني حتى لو حد كبير مش صغير "يا روحي ويا حبيبتي".. الأمهات بيبانوا بردو وبتعرفهم من غير ما تبذل أي مجهود في ده.

أعتقد إننا نستحق اللمس والأحضان.
أعتقد إن الجفا والقسوة وحشين.

وأعتقد إني بخاف أوي.. بخاف فعلا. بس أنا قوية ودماغي كويسة.

6/3/2014