الجمعة، 11 مارس، 2016

الفرار

(ماذا أريد من هذه الحياة ولماذا أنا هنا؟) سؤال مؤرق، وربما أحتاج مزيدًا من الوقت لأتبين الإجابة ولتتبينني الإجابة، لكني أكتب الآن وأذكر نفسي ببعض الأشياء التي تدور حول (ماذا أريد من هذه الحياة؟)

أولًا: أقول أن الحياة فانية. هذه ليست استعارة وليست كليشيهًا دينيًا متكررًا، بل الحياة فانية بالفعل، فانية في كل لحظة وكل حركة. وأنا قادرة على استشعار هذا الفناء والفراغات التي تحيط بنا من كل جانب، قادرة على استشعاره منذ زمن بعيد، منذ كنت طفلة في الرابعة تدرك أول مظاهر الفناء من خلال موت أمها وسفر أبيها، ثم كبرت ودخلت إلى سن المراهقة بنفس الحساسية المفرطة للفناء. 
عقلي مصمم لتجريد الأشياء وإدراك الفناء الكامن فيها.
 صارعت هذا الفناء وقتًا طويلًا وحاولت قتله إيقافه والتحايل عليه بكثير من الأمور، ثم في لحظة خاطفة من السلام، أدركت هذا الفناء بكل مداركي ولم أفزع منه، ولم أحاول التحايل عليه، بل غرقت فيه تمامًا، كأني في سبات طويل، وما إن أفقت رأيت نفسي وقد كان هذا الفناء مفتاح خلاصي وتحرري من كل ضيق، ورأيت في هذا الفناء الإيمان والمعنى والقيمة، وصرت في سلسلة متصلة من محاولات بلوغ هذا الاتحاد والسلام من جديد، وصرت أحيا بالفناء -أو يمكننا القول- صرت أحيا بإدراكي للفناء، والفناء يحيا من خلالي.

وإدراكي لهذا الفناء الحي المتصل، يدفعني لإعادة تشكيل نظرتي للحياة وما أريد منها، إن كانت كل الأشياء فانية، فلماذا نعيش ونحقق الإنجازات ونتنافس للوصول لدرجات أعلى ومراتب أفضل؟ إن كانت الحياة فانية، لماذا أريد أن أحصّل مجموعًا كبيرًا في الثانوية العامة؟ ولماذا أريد أن أصدر مجموعة قصصية رائعة؟ هل لأشعر بتميزي عن الآخرين؟ هل لأشعر كم أنا عظيمة؟ هل لأثبت شيئًا ما لنفسي وللآخرين؟ لا، كل هذه الإجابات إجابات ساذجة.

الإجابة التي تتراءى لي خلال هذه الفترة من حياتي، أننا نعيش لأجل أن نكمل مشروعنا الإنساني والروحاني. كلنا لدينا هذا المشروع، ومشروعي الإنساني هو الغاية والهدف من كل شيء، هو جوهر الأشياء وباطنها. هذا المشروع هو ذاتنا الداخلية، ويقاس مدى نجاحه واكتماله بمقدار ما تؤثر حياتنا المادية على حياتنا الداخلية وتثريها. فليس المهم أن أتفوق تفوقًا هائلًا في الدراسة لأتباهى أمام الناس بهذا التفوق، بل المهم أن يكون لدي رغبة حقيقية في التفوق، وأن يكون له قيمة إنسانية تضاف إليّ، مثل قيمة الإصرار والإيمان والانفتاح العقلي والوجداني، والرضا، الرضا الداخلي عن الحياة وعن الذات. نحن نحيا لنشبع أروحنا ودواخلنا التي لا تشبع أبدًا.

وما أن نبدأ في السعي لتحقيق ذلك فإننا لا نستطيع التوقف، نجد أنفسنا نسبح في تيار جارف لتحقيق الغاية التي تعرفها أروحنا جيدًا، نسعى بلا انقطاع. تتولد الحياة فينا، كل يوم، بإرداة كامنة فينا، لا نعرف مصدرها. 
قابلت (ميس عبير) بالأمس، لم أقل الكثير، ولم تقل هي أكثر من المعتاد، لكنها كانت تعرف كما أعرف أنا أيضًا أننا نتشارك نفس السعي والألم والمحاولات المضنية، قلت لها: "بمجرد ما وصلنا للنقطة اللي احنا فيها دلوقتي، بنفضل نسعى، وبنبقى عارفين إننا هنسعى للأبد، إلى مالانهاية، وإن ده مش هيخلص، وإن الهدف والغاية هي السعي ده. وده حلو على فكرة مش وحش."
كانت تفهمني، دون أن أحتاج إلى شرح أي شيء.


هناك تعليق واحد:

حاول أن تساعدني في إصلاح هذا العالم