الأحد، 6 مارس، 2016

الزنزانة

خلال أيام عزلتي هذه، أنام وأصحو، والنوم والصحو تشابها عليّ. وأرسم وأكتب وأقرأ صفحات من هذا الكتاب، ثم صفحات أخرى من ذاك.  
وتراودني خاطرة مما يراودني، أسأل ماذا لو سجنت؟ لو قامت الحرب وسجنت، أو اعتقلت لأي سبب آخر؟ لا أعرف مصدر هذه الفكرة، لكني أراني كثيرًا في زنزانة مظلمة، وقد فقدت كل دعامات الحياة: الطعام والماء والدفاتر، وكل شيء. وقهر جسدي لأبعد حد. 

أتساءل هل وعيي برئ ويقظ للحد الذي يجعلني أقبع في هذه الزنزانة مقهورة الجسد دون أن أفقد نفسي؟ هل وعيي قوي كفاية للحد الذي يسمح لي بالبقاء داخل هذه الزنزانة دون أن تتلف جدرانها روحي؟ أن تنهشني؟ هل أستطيع أن أبقى داخل الزنزانة في حالة من يقظة الوعي وأظل مدركة: من أنا؟ وماذا أفعل في هذه الحياة؟ ولماذا أنا هنا؟ وما هي أهدافي ومقاصدي؟ لا أعرف. 
وربما لن أعرف إلا إن سجنت حقًا في يوم ما. 

لكني أصبحت أستحضر الزنزانة وجدرانها وقضبانها طوال الوقت، وصار عملي أثناء عزلتي وأثناء رحلتي مع ذاتي منصبًا على الوصول لتلك اليقظة التي لا تقهر، الذات الحاضرة، حتى إن قيد الجسد أو أُغتصب أو فنى. 

زجرني صديقي بضيق حقيقي حين ذكرت فكرة السجن هذه له، قال: انتي عارفة يعني إيه سجن؟
قال إن السجون مختلفة عن أي فكرة رومانسية في مخيلتي وأنها ليست تجربة جميلة ولن تضيف إلا الحقد والكره داخلي. 

وأنا صمتت. 
لكني بعدها بعدة أيام ذكرت هذا الحوار لصديق آخر، وانفعلت، وقلت كل ما لم أقله لصديقي الأول، قلت أن السجون تعيش في داخلنا، وأنها جزء من معاناتنا العامة كجيل يعيش في هذه البقعة وفي هذا الوقت. 
قلت كل ما لم أستطع قوله وما يعتمل بي منذ سنوات، وبكيت حتى أدميت عيني، وتخيلت الزنزانة مرة أخرى، فتوقفت عن البكاء وشددت على قلبي في شموخ، لن تهزم الزنزانة يقظة وعيي يا رب. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حاول أن تساعدني في إصلاح هذا العالم