السبت، 21 يناير، 2017

رحم سعاد

تفقد سعاد جنينها الثالث، وأمها مستمرة في حديثها عن الذهاب إلى طبيب جديد في مصر، وعن أنها سمعت أنه قد حبلت الكثير من ستات البلد بفضله، غير أن صوت أمها لا يعبر إلى أذنها.

يجثم على صدر سعاد شعور كبير بأنها لن تحمل بعد اليوم، وبأن رحمها قرر الانغلاق على نفسه واستراح إلى أن يموت ولا يحيا أبدًا.

في الليل، استلقت على جانبها. تمد بصرها إلى السماء الفارغة خارج نافذتها. حركة في الدار أدلت إليها برجوع زوجها. تحس برحمها كأنه كتلة صخرية ثقيلة تؤلمها. بل هو نقطة تمركز ألم حياتها كله ونقطة انبثاقه إلى كل أجزاء جسدها.

في الظلام، أدركت أن زوجها جالس إلى جانبها، وقال معلش -أو شيئًا كهذا- وبعد مضي وقت التفتت فرأته صامتًا وكانت قد ظنت أنه خرج من الغرفة. غامض مَن خطبوها وزفوها إليه! تحس في هذه اللحظة التي تراه فيها بذروة تقززها من صمته وعزوفه عن إظهار الحياة، وغضبها الذي نما عبر أيامها في بيته، وأنها ما دامت لن تحمل ورحمها أعلن إعراضه فإنها لا تريد أن تنظر مجددًا في هذا الوجه الذي لا تعرفه، وتظن أنها لن تعرفه وسيبقى مغلقًا هكذا ككهف مسكون بالعفاريت إلى الأبد. لكنها لاحظت غرابة في هيئته؛ كان مقوس الظهر منحني الرأس قليلًا، على عكس جلسته المتخشبة الواحدة دائمًا، ولمحت في النور الذي لا يكاد يبين التماع شيء على خده، قامت واقتربت منه، كانت دمعة من زاوية عينه. ترددت لكنها في النهاية مسحت دمعته بيدها. أدار وجهه فقابل وجهها (أيدمع الرجل الحجر كبقية الناس؟) الدموع انطلقت بغزارة كأنما مسام جلده ووجهه كله أخذ يدمع، شعرت برغبة في تقبيله، وكانت لم تعرف القبلة قط ولا سمعت بها، ولم تعِ أنها أخذت تضغط بيدها جسده كله وترتمي عليه، وأنه يتأوه، إلا بعد أن صار تأوهه صراخًا..

كان بدايةً يصرخ شبقًا ونشوة بشكل لم تعهده قط، ثم صار صراخًا حقيقيًا. ألمًا يشق صدر الليل. يحمل كل العويل والموت والندب والحسرة. يا قلبي.. ليه تبكي كدة؟ حرام عليك. تساءلت أين كان يحبس كل هذا الانفعال، ولماذا يتوارى خلف طبقات أسمنتية؟ ربطت عليه لتحمي ضلوعه من الانفجار، فتجمعت أنفاسه من أخمص قدميه ومعدته وصدره وجلده، وانطلقت من فمه وأنفه، وتفجرت في حضن سعاد.

العينان الحجريتان كانتا تتبدلان في عتمة الليل. تراهما سعاد تذبلان، تشفّان، كاشفتين عن عينين صغيرتين مسكينتين حزينتين كعيني جرو صغير. أُخِذَت سعاد، مسحورة بحزن عميق انبلج من داخلها أثناء مراقبة حركة عينيه، حزن غطاها حتى ابتلعها، فصارت تلثم العينين الحزينتين بقبلات متسارعة، كبيرة متلهفة، كأنما تريد لو تغمرهما تمامًا في دفء فمها. الجسدان يعلوان ويهبطان سويًا، وصراخه وتشنجاته تصبح أقل حدة، وسعاد تحمله كله داخل ذراعيها وساقيها، داخل جسدها الذي انصهرت عظامه ولحمه، فلم تعد تعرف أين الذراع وأين الساق، أصبح جسدها جوفًا سرمديًا كجنّة رحم آمن، دافئة مياهه، خافت صوته، خالٍ من خطر الحياة الدنيا ودنسها.

جسدها أصبح أسطوريًا، واختفى خجلها وإحساسها بالعار منه. وكان أيضًا ألمها لفقد جنينها يذهب بعيدًا ويختفي، ورحمها ينفتح رويدًا رويدًا للحب. 

إيثار أحمد نور
أكتوبر 2016

هناك 3 تعليقات:

  1. شركة المثالية للتنظيف تسعد بتقديم خدماتها لعملائها بالمنطقة الشرقية خدمات تنظيف خدمات مكافحة حشرات خدمات تسليك مجاري المياه للمطابخ والحمامات جميع الخدمات المنزلية تجدونها مع شركة المثالية للتنظيف بافضل جودة وارخص الاسعار بالاعتماد علي كافة الادوات الحديثة والعمالة الماهرة

    شركة المثالية للتنظيف
    شركة المثالية للتنظيف بالدمام
    شركة المثالية للتنظيف بالخبر

    ردحذف

حاول أن تساعدني في إصلاح هذا العالم